ظاهرة “لوشان” في تدريس اللغة الصينية (الجزء الأول)

يناير 08, 2026

ملاحظة المحرر: أكد البروفيسور جويل بيلاسنت مرارًا وتكرارًا، خلال معسكر تدريب المعلمين الذي نظمته هيهيلولو، على أهمية تغيير المعلمين لوجهات نظرهم في التدريس، وتحديدًا التفكير في الدروس وتصميمها من منظور المتعلم. وقد تفضل البروفيسور بيلاسنت بمشاركة مقالته التي قدمها في المنتدى الدولي لتعليم اللغة الصينية عام ٢٠١٥ مع هيهيلولو، وأذن لنا بإعادة نشرها. ورغم أن المقالة نُشرت منذ سنوات، إلا أن الحقائق التي تتضمنها لا تزال خالدة ومثيرة للتفكير. ونظرًا لطول المقالة، سننشرها على ثلاثة أجزاء.

مقدمة كتبها البروفيسور جويل بيلاسنت عند نشر المقال لأول مرة:

إن الإنسان نبيلٌ بفضل قدرته على التفكير والتحليل. يستطيع الإنسان التفكير في أي ظرف، لكن من ثمن ذلك أنه غالبًا ما ينظر إلى الأمور من منظوره الخاص فقط، ويركز كل شيء حول ذاته. وهذا قد يؤدي إلى رؤية ضيقة كرؤية الضفدع في قاع البئر، وإلى ما يُعرف بـ”ظاهرة جبل لو”. فالبيت الشعري الشهير من عهد أسرة سونغ – “لا أستطيع إدراك الوجه الحقيقي لجبل لو، لمجرد أنني داخل الجبل” – يعني أن العقبات الذاتية قد تمنعنا من رؤية حقيقة الأشياء وجوهرها. لذا، من الضروري تجاوز النظرة الأنانية وتنمية القدرة على التفكير من منظور الآخرين.

يكمن جوهر أي تخصص أكاديمي في تطويره وتحسينه المستمر. فإلى جانب البحوث الدقيقة (مثل أساليب تدريس مختلف أنشطة الكلام، وتعليم الأحرف الصينية، والتدريس الصفي، والمفردات، والتدريس الثقافي والنحوي، والتقييم، وتحفيز المتعلمين، وغيرها من المجالات المحددة)، يحتاج مجال تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية بشكل عاجل إلى بحوث شاملة تُكمّل هذه الدراسات الدقيقة. وتشمل هذه البحوث الشاملة دراسة ماهية تدريس اللغة الصينية، بالإضافة إلى دراسة تاريخ تعليم اللغة الصينية كلغة ثانية من منظور المعرفة العلمية.
ينبغي للبحوث الكلية أن تحافظ على مسافة معينة من البحوث الجزئية، وأن تحلل بموضوعية الأزمات التطورية التي مر بها هذا التخصص والعقبات المعرفية التي يواجهها. بعبارة أخرى، يحتاج الباحثون في مجال تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية إلى الخروج من دائرة “جبل لو” (جبل لو)، والوقوف خارجها من أجل الملاحظة والتأمل والقيام بعمل استكشاف المعرفة وتوضيحها.

أتوجه بالشكر إلى الزملاء المشاركين في مناقشة هذا العمود، والذين يستكشفون، من مواقع مختلفة “خارج جبل لو”، “ظاهرة جبل لو” في تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية.

العقبات المعرفية للتخصص و”ظاهرة جبل لو”

من الأمام، يمتد الجبل كسلسلة جبال طويلة؛
من الجانب، يرتفع كقمة شاهقة.
من بعيد أو قريب، من مرتفع أو منخفض – يظهر بطرق مختلفة.
لا أستطيع أن أتعرف على الوجه الحقيقي لجبل لو،
ببساطة لأنني داخل الجبل نفسه.
— سو شي، سلالة سونغ الشمالية، “نقش على جدار دير شيلين”

في قصيدة سو شي “نقش على جدار دير شيلين”، يعبّر البيتان الأخيران – “لا أستطيع إدراك الوجه الحقيقي لجبل لو، لمجرد أنني داخل الجبل نفسه” – عن حقيقةٍ في صورة شعرية: لكي يدرك المرء مسألةً ما إدراكًا كاملًا وشاملًا، ويتجنب الأخطاء الناجمة عن التجربة الجزئية، عليه أن يحافظ على مسافة معينة من موضوع البحث. وبتطبيق هذا المبدأ على التأمل الذاتي، نُعرّف “ظاهرة جبل لو” على النحو التالي:
حالة تفكير مغلقة، محدودة بالتجربة الشخصية ومتمركزة حول الذات، وتفتقر إلى التحليل السليم للأمور المحيطة ووضع الفرد الخاص؛
وباعتباره نمطاً ضيقاً من التفكير، ناجماً عن عدم كفاية المسافة والوضوح فيما يتعلق ببيئة المرء، مما يؤدي إلى أحكام خاطئة حول الظواهر الخارجية.

كل علم أو تخصص، خلال نشأته وتوطيده وتطوره التدريجي نحو التحول النوعي، يمر بتقلبات وتراجعات، بل وحتى انتكاسات. ففي مواجهة الأزمات والتحديات، تتطور نظرية المعرفة في أي تخصص عبر الصعوبات، إلى أن تشهد تحولاً جذرياً وتحقق تغييراً نوعياً. ويُعد هذا التحول المعرفي عاملاً حاسماً وعلامة رئيسية في تأسيس أي تخصص. وعلى النقيض، إذا واجه تطور أي تخصص عقبات معرفية، فإنه يُصبح مُعرضاً لخطر الوقوع في أزمة.

حدث التحول المعرفي في تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي عام ١٩٧٨، وخلال “اجتماع تخطيط تخصص اللغويات لمنطقة بكين” الذي عقدته الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، اقترح السيد لو بيسونغ لأول مرة دراسة تدريس اللغة الصينية للأجانب كتخصص مستقل، وضرورة إنشاء مؤسسات التعليم العالي برامج لتدريب المعلمين في هذا المجال. وقد أكد على ضرورة وإلحاح إنشاء هذا التخصص الجديد والمستقل. لاقى رأيه قبولاً ودعماً من اللغويين الحاضرين. وجاء في ملخص الاجتماع، “التقرير الموجز لمنتدى تخطيط تخصص اللغويات لمنطقة بكين”، ما يلي: “ينبغي دراسة تدريس اللغة الصينية للأجانب كتخصص مستقل؛ وينبغي إنشاء مؤسسات بحثية متخصصة، وتدريب كوادر متخصصة”. شكل هذا التحول المعرفي – أو التحول النوعي – في تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية، وأعلن عن نشأة هذا التخصص الناشئ. ومنذ ذلك الحين، دخل المجال مرحلة من التطور التخصصي.

مع ذلك، ومع ظهور العديد من المشكلات خلال تطور هذا التخصص، وجدنا أن العديد من المفاهيم “ما قبل العلمية” لا تزال تعيق تكوين “روح علمية” حقيقية. وقد زرعت العقبات المعرفية مخاطر خفية على مستقبل هذا التخصص. تتخذ هذه العقبات أشكالاً مختلفة، بما في ذلك الأيديولوجيا والثقافة والمعتقدات التربوية. وغالبًا ما يكمن أصل هذه العقبات في حقيقة أننا لم نتجاوز “جبل لو” – أي أننا لم نحافظ على مسافة كافية للملاحظة العلمية، وبالتالي لا نستطيع تحقيق معرفة وحكم أكثر دقة. هذه هي “ظاهرة جبل لو” في تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية.